«[|]» الماضي والحاضر والمستقبل «[|]»
تعليق وتحليل د/علوي القاضي .
(لوحة مشهد الوهم والطوفان)
... إرتباط الإنسان بالماضي ، إرتباط نفسي ووجداني ، لما يحمله الماضي من ذكريات جميلة ، تركت أثرا في النفس وما يسجله من تاريخ مرتبط بأخلاقيات وقيم توارثناها من ٱباءنا وأجدادنا ، لذلك إذا وضع الإنسان في (إختبار) فسيكون من أصعب المواقف ، إذا خيره القدر بين تمسكه بـ (الماضي) بمبادئه وقيمه وأفكاره وتراثه ، وبين (الحاضر) الذي يعيشه رغم سطحيته وضعفه الفكري وقصوره ، وبين (المستقبل) المجهول الهوية ، ولم تظهر ملامحه بعد ، والأمل فيه غير مؤكد أو مضمون
... لوحة (مشهد الوهم) جسدت هذه المعاني وهذا الإختبار الإنساني تصويريا وهي من (مشاهد الطوفان) ، نرى الرجل يحاول حماية (والده) رغم بعده عنه ، ويهمل (زوجته) ، وطفله (ابنه) رغم قربهم منه نفسيا ومكانيا كما في المشهد ، فـ (الزوجة) تمثل الحياة الحالية (الحاضر) ، و (الإبن) يمثل (المستقبل) ، و (الأب) يمثل (الماضي) ، الذي يعتز به الإنسان ، هكذا لانشغاله بإنقاذ أبيه يخسر حياته الحالية ومستقبله ، وهذا ما يفعله الناس كل يوم
... لوحة (مشهد الوهم) ، تعد من أفضل أعمال الفنان الفرنسي (جوزيف ديزيريه) ، وتعني (مشهد الطوفان) ، وهي تصور المحنة التي تعيشها الإنسانية وبالذات في أوروبا في ذلك الوقت
... اللوحة تبدو صادمة لمن يشاهدها ، ولكنها تعبر عن ثقافة وفكر أوروبا قبل عصر النهضة
... فـ (الأب) الرجل العجوز يمثل (الماضي) ، ولحيتة تمثل (التراث) ، واللون الأحمر يرمز لـ (مكانة الرجل) العجوز الدينية المقدسة ، و (الإبن) يرمز لـ (المستقبل) ، و (الزوجة) ترمز لـ (الحياة) والحاضر والأرض والمحبة والسلام ، ويفترض أن (الزوجة والإبن) الأقرب للرجل نفسيا ومكانيا حتى فى اللوحة ، وأسهل مايمكن إنقاذه هو (الطفل) الأقرب لقلبه والأخف وزنا ، إلا أنه مصمم على إنقاذ (الأب) الرجل العجوز البعيد مكانا ومستقبلا ، وهذا يرمز إلى تمسك الإنسان بمعتقداته وفكره وموروثاته وأفكاره حتى لو كانت خاطئة !
... والحكمة من اللوحة هى أن (التمسك بالماضي) سيؤدي إلى إغراق (الحاضر والمستقبل)
... ويلاحظ أيضا في اللوحة أن (رأس الرجل أسود) دلالة على الجهل ، والتفكير الظلامي وتخلف أفكاره وموروثاته ، علما بأن (الأب) ذلك الرجل العجوز الذي تبدو عليه علامات الهرم وإقتراب الأجل ، بينما (الزوجة والإبن) المرأة والطفل تملأ جسدهما الحياة والخصوبة والأمل
... وهذا رمز وتأكيد على أن المعتقدات المقدسة بأفكارها المظلمة تسيطر حتى على عقولنا وعواطفنا ، خاصة الجهل المقدس
... وأصدق مثال على ذلك (محاكمة جاليليو) عام 1633 ، والتي أدين فيها ، بتهمة نظرية (مركزية الشمس) وحكم علية بالسجن المؤبد حتى الموت
... ولذلك فقد سميت اللوحة بـ (مشهد الوهم) ، لأن الرجل يحاول حماية الماضي ويهمل الحاضر والمستقبل ، فالوالد محل اهتمام الإنسان ، وهكذا يخسر حياته الحالية ومستقبله
... تحياتى ...
تعليقات
إرسال تعليق