الإمتثال لأوامر الله «(3)»
د/علوي القاضي .
... وقمة الإمتثال لأوامر الله أن لا تفعلوا مثل إبليس ، عندما جاءه الأمر بالسجود لآدم ، كانت نظرته مقتصرة على السجود لآدم (كفعل) ، ولم يلتفت للقضية الأهم ، وهي قضية أكبر من آدم ومن السجود له ، إنها قضية (الإمتثال لأمر الله !) ، (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ "أَمَرْتُكَ") ، نفس السلوك والتصرف ، ماحدث من إبن نوح ! ، فقد نظر إلى الطوفان نظرة سطحية ساذجة ، وتعامل معه كأنه قضية (مناخ صعب أو فيضان ماء) ، فقال (قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ) ، نعم العصمة والنجاة في نظره هي فقط من الماء ، وكانت نظرة سيدنا نوح أعمق ، إذ بين له أن القضية أكبر من مجرد فيضان ماء ، بل هي قضية الأمر الإلهي بالإغراق ، (قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ "أَمْرِ اللَّهِ" إِلَّا مَنْ رَحِمَ) ، ولم ينتظر الموج إنتهاء الحوار بل (وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ)
... للأسف ما زالت هذه المفاهيم والأفكار تسيطر على الكثيرين منا ، مثل الإهتمام بالعبادات إهتمام شكلي وظاهري ، (الصلاة) مجرد حركات ، (الحجاب) مجرد غطاء للرأس ، (الحج) مجرد طقوس ، صيام (رمضان) ريجيم جيد ، ونسوا أن القضية أكبر من ذلك ، وأنها قضية أمر من الخالق ، قضية إمتحان ، قضية عبودية وإمتثال لأوامر لله
... وحتى لا نتلوث بظلال تلك المفاهيم والأفكار يجب أن ننظر أولاً إلى (الآمر) ، ثم (الأمر) ، الأمر هو إختبار من الخالق ، إختبار بالتسليم والإمتثال ، والخالق لا يأمر خلقه إلا بما ينفعهم ، وبما هو خير لهم ، وهو العليم الحكيم ، (وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنࣲ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۤ أَمۡرًا أَن یَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِیَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن یَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَـٰلࣰا مُّبِینࣰا)
... ومن أمثلة عدم الإمتثال لأوامر الله قصة (أصحاب السبت) ، هي عبرة لمن يخالف أوامر الله ويسعى للتحايل عليها ، يحكي الله لنا في القرآن عن قوم من بني إسرائيل إبتلاهم الله في يوم السبت ، فكان إختباراً للإيمان والطاعة ، كان أهل هذه القرية يقدسون يوم السبت ، ويُحرم عليهم فيه العمل ، خاصة الصيد ، أراد الله أن يختبر إيمانهم وصبرهم ، فجعل السمك يأتي في هذا اليوم بأعداد كبيرة على سطح الماء ، بينما يختفي في باقي الأيام ، (وَسْـَٔلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًۭا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ) ، بدأ البعض منهم يتحايل على أمر الله ، فكانوا ينصبون الشِباك يوم الجمعة ، ويتركونها لتصطاد السمك يوم السبت ، ثم يأخذونه يوم الأحد ، زاعمين أنهم لم يخالفوا أمر الله ، غضب الله عليهم ، لأنهم لم يحترموا حُرمة يوم السبت وتحايلوا على أوامره ، فجعل عقابهم شديداً ، حيث قال تعالى ، (فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ) ، لذلك يجب أن ندرك أن لا مجال للتحايل على أوامر الله ، فالله يعلم النوايا (يعلم خائنة الأعين وماتخفي الصدور) ، وندرك أن الإيمان الحق يظهر في الطاعة حتى مع المغريات ، وندرك أن عقاب الله شديد على من يعصي أوامره عن عمد
... وندرك أن (الصحبة الصالحة) تقوي الدافع نحو طاعة أوامر الله وتوجيه النفس وتهذيبها ، فالصحبة الصالحة تساعدك على الحث بترك الدنيا وحُطامها ، والصحبة الصالحة تعزز بنفسك حب الخير ، وعندما تصاحب أحدا ، صاحب رجل صالح فإنه يزيد بداخلك الرغبة على الوصول إلى ما وصل إليه ، وعندما تخالط أصحاب صالحين سوف يتوجب عليك أن تعمل على تحصيل العلم النافع ، والأخلاق الحميدة وغيرها من الأمور الجيدة
... إن رفيق السوء يحرمك من ذلك كله ودليل على ذلك قول الله تعالى (و يوم يعضُّ الظّالمُ على يديهِ يقولُ يا ليتني اتّخذتُ مع الرسولِ سبيلا ، يا ويلتَى ليتني لم أتَّخذُ فُلانًا خليلا)
... تحياتى ...
تعليقات
إرسال تعليق