بلوغ الروح
بقلم: أفيستا حمادك
تائهون في أزقّة الزمن...
نمشي ولا نمضي، نلهث وراء ساعاتٍ لا تعترف بوجودنا،
كلّ ما فينا مرهق، حتى الملامح شاخت قبل أن تولد التجاعيد،
نتسكّع على هامش الحياة كما تتسكع الذكريات على أطراف النسيان،
لا نملك وقتًا لنعيش، ولا نملك حياة لنشعر أننا أحياء.
نحن أبناء جيلٍ مدثّرٍ بحكايات الغربة،
كأنّنا لم نُخلق لنبني بل لنتذكّر،
وجيلٌ بعدنا يتسوّل الحياة على أبواب القدر،
يطرق نوافذها الباردة بأصابع مرتجفة من خيبةٍ ورجاء.
بقايا بشر... نحن.
كأنّ الإنسان فينا انكسر عند أول عتبة منفى،
صرنا رقًا بلا قيودٍ مرئية، وسبايا لماضٍ لا يُمحى،
نحمل أوجاعنا كوشمٍ على الروح،
نزفُ بصمتٍ حتى تخدّرت الأحلام وتيبّست الدموع.
تئن الكلمات تحت ثقل الأشواق،
كأنها تعجز عن ولادة نفسها من رحم الحنين،
لكن على خيوط الشمس التي تُخيط الصباحات من الضوء،
سنرسم جداول الحياة، سنرسم كلمات الأمل،
وسنترك أحلام الفجر تضئ القُبَل المؤجّلة،
لعلّ الضوء يعلّمنا كيف نبدأ من جديد.
سنوقد الشموع... ونكفكف الدموع،
نرتشف ندى الصباح كطقس نجاةٍ يوميّ،
كأننا نقول للعدم: نحن هنا، رغم كل شيء.
عبث بنا وشاح القدر،
خلعنا عن أرواحنا دفء الأوطان، وارتدينا قسوة المنافي،
جمعتنا مظلات الغربة كما يجمع الشتاتُ ظلال الأرواح،
في حبٍّ خريفيّ، لا ينبت فيه سوى الشوق المبلّل.
ينتابنا الوجد تارةً، والحنين حينًا،
وفي ممرات الحياة نترنّح بين ذاكرةٍ لا تموت،
وحاضرٍ لا يعترف بنا،
نرقد على أشواك الغربة، نحضن صقيعها ونحلم بوطنٍ لا نافذة له،
لا أرض، لا رائحة، لا مكان.
نحن سهمٌ في ذاكرة هذا الزمن...
مسلولون من قوس الحقيقة،
تائهون في فضاءٍ يتذكّرنا حين يشاء،
ثم ينسانا حين يصير الحنين عبئًا.
لكننا، رغم الانكسار، لا نزال نحمل بذور النور،
فنحن الذين نكتب،
والذين يرفضون أن تكون النهاية حرف صمتٍ لا يُقرأ.
تعليقات
إرسال تعليق