هل الإحساس يستحق الشّكر؟
بقلم: زهرة بن عزوز
البلد: الجزائر
في عالم تتزايد فيه الأقنعة وتتلاشى فيه المشاعر كما يتلاشى المطر على الأسفلت السّاخن، يصبح الإحساس بركة خفيّة، يدركها فقط من عاش ألمها ولذّتها في الوقت نفسه. لم نعد نتساءل عمّا نشعر به، بل أصبحنا ندرّب أنفسنا على تجاهل الألم، وأنّ الإفراط في الإحساس ضعف، وأنّ البكاء خيانة للبقاء، وأنّ الحنان ترف لا يليق بهذا الزّمن المتسارع القاسي. لكن، في زحمة هذا التّيه، يظهر السّؤال كنسمة تُزعج السّكون المفترض: "هل الإحساس يستحقّ الشّكر؟ "
نعم بالطّبع، وبكلّ المحبّة.
لأنّ الإحساس هو الّذي يجعل الإنسان إنسانًا. هو الطّريقة الّتي تعيد لمعنى وجودنا قيمته، وتخلّصنا من فخّ الجمود والتّكرار. لا شيء يُضاهي لحظة بكاءٍ تخفى، عندما نشهد أمهاتنا يتقدّمن في العمر بصمت، تتبدّل ملامحهن، وتبدأ الذّاكرة بعمل مقارنة مع وجوه الماضي، بحيويتهن في الشّباب، بتلك الضّحكة الّتي أصبحت أقلّ وضوحًا. هذه الّلحظة تحديدًا، حين يبكي أحدنا في صمت لأنّ الوقت بدأ يثقل على من نحبّ، تستحق امتنانًا عميقًا. لأنّها تثبت أنّنا لا زلنا نحتفظ بقلب نابض لم يتصلّب رغم التّجارب المؤلمة الّتي واجهناها. الإحساس يستحقّ التّقدير، لأنّه في عصر الخيبة الكاملة، يشبه مقاومة لطيفة ضدّ التّحول إلى أجهزة بلا روح.إنّه الحاجز الأخير الّذي يدافع عن إنسانيتنا من الانغماس في عدم الاكتراث. أن تشعر يعني أنّك لا زلت مرتبطًا بالحياة ككائن يتألّم، يحبّ، يخاف، ويشتاق، وليس كائنًا ناطقًا يعيش فقط ليستهلك. وقد تكون أعمق صور الإحساس هي الّتي لا نعبّر عنها. ذلك الشّوق المكتوم، والرّعب المستتر، وقلق الأبناء تجاه أمّهاتهم، وارتعاشة اليد حين ترى أحدهم يترعرع ويتبدّل أمامك، ليس نتيجة خطأ فعل، بل فقط لأنّ الزّمن يمرّ.
إذا كانت عواطف البشر تُقدّر بميزان الذّهب، لكان الصّادقون فيها من أغلى الأرواح. هم الأشخاص الّذين ينهكهم حسّهم بالتّعاطف مع كلّ ما هو ضعيف في هذا العالم، من طفلٍ يبكي في العراء،يبحث عن مأوى، إلى مسنّ يخطو بصمت، كأنّه ينتظر النّهاية،إلى صديق أو صديقةٍ تخلّت عنها الحياة، لكنّها ما زالت تبتسم. أولئك الأشخاص الطّيبون، الرّقيقون، لا يمرّون بالحياة مثل الآخرين. هم يلتقطون ما لا يُلاحظ، ويستمعون لما لا يعبّر عنه. يرصدون الكآبة في عيني شخصٍ ما، حتّى وإن حاول إخفاءها بابتسامة. ويشعرون بوحدة الفرد الآخر، حتّى وإن كانت مغطاة بالوجود.
لكن المشاعر باهظة الثّمن.
إنّها تجعلنا نتعرّض للإجهاد، لأنّ من يعاني بعمق يتألّم بشدّة. من يكون وفيًا يشعر بالألم عندما يتبدّل الآخرون. من يتفانى، يعمل بجدّ عندما يُحرج ، لهذا السّبب بالتّحديد، يستحق هذا الإحساس التّقدير. شكرًا لاستمراره في قلوبنا برغم كلّ من يسعى لقمعه. شكرًا لكلّ دمعة مستترة سقطت من عين خائفة على أمّها، أو أخٍ يحمل آلامه في صدره دون كلام، أو عاشق يخشى الفراق أكثر من الفراق ذاته.
أن تحسّ، يعني أنّك لا تزال تثق. تعتقد أنّ كلمة لطيفة قد تُحدث فرقًا في يوم شخص ما، وأنّ لمسة دافئة قد تُنقذ روحًا متعبة، وأن وجودك الهادئ بجانب من تهتم بهم يمكن أن يكون عزاءً أعظم من أيّ خطاب. وأيّ نعمةٍ أعظم من هذا؟ أيّ امتنانٍ أحقّ من أن يُوجّه لهذه القلوب الّتي تنبض رغم الإنهاك، وتبتسم رغم الألم، وتُحبّ رغم الخذلان؟
الحسّاسون لا يطلبون كثيرًا. هم لا يحتاجون أكثر من أن يُسمح لهم بأن يكونوا كما هم: طيّبين دون سخرية، عاطفيين دون اتّهام، بسطاء دون احتقار. يريدون فقط أن يعيشوا في عالم لا يُعاقبهم على صدقهم، ولا يُطالبهم بإخفاء ما يشعرون به كي يُعتبروا ناضجين أو أقوياء. ولذلك، فإنّ أوّل ما يستحقونه هو الشّكر.
شكرًا لكلّ من لا يزال يُحبّ برغم الجراح.
شكرًا لكلّ من يضع قلبه في مكانه الصّحيح، حتّى لو أوجعه.
شكرًا لكلّ من يملك الشّجاعة ليقول "أنا تأثّرت"، أو "بكيت لأنّني خفت على أمّي"، أو "اشتقت لأنّني لا أملك إلّا الاشتياق".
في النّهاية، الإحساس ليس ضعفًا، بل دليل على أنّ فينا شيء لم يمت بعد. وهو الشّيء الوحيد الّذي، حين نحافظ عليه، يحمينا من أن نصبح نسخًا متشابهة من قسوةٍ واحدة.
ولهذا، نعم وبكلّ قناعةٍ صافية:
"الإحساس يستحق شكرًا."
تعليقات
إرسال تعليق