قصة قصيرة بعنوان
(أنا من أرض عروبتي وهى منى )
بقلم: ياسر إبراهيم الفحل
في صبيحة يومٍ مشرق، خيّم صمتٌ مطبق على فلاحين قريتي، تلك القرية التي تمتلئ بشبابها الطيبين، وأرضها الطينية السمراء، التي تضربها سواعدهم بعزم كل صباح، فتُخرج لهم كنوزها الخضراء، ويزدهر بها رزقهم، وإن كان قليلاً، إلا أنه يملأ قلوبهم سعادة.
هكذا عاش محمدين— الشاب المصري الفتي — على الفطرة، دون تكلّف أو بزخ. يشرب من مياهة النيل العذبة، ويأكل من طين أرضه ما تخرجه له من أطيب الثمر.
كان يدير كل صباح مذياعه على أنشودة الوطن:
وطني العربي وطنىج الأكبر...
تربّى على أن لغته جوازه، وأن الأرض ما دامت عربية، فهي له. يفترش منها فراشه، ويأكل منها غذاءه.
في الجهة المقابلة من بيته، يسكن عم حسنين، الذي سافر إلى الخليج سنين وسنين، وترك أرضه السمراء تعبث بها الحشائش والجراد.
ومنذ أن رحل، لم تُنبت الأرض حبة حنطة، ولا سنبلة أرز، ولا زهرة ربيع.
عاد بعد غيابٍ طويل محملاً بتلفاز، وبيتٍ يعمل بالغاز، وبدّل وابور الجاز بـالبوتاجاز، وبدل أن يستحم بمياه النيل الذي يروي أرضه، صار يقصد البحر والمصايف، يلاحق كل تافه وهايف.
عاد محمّلاً بالدولارات والعربات والسيارات...
أما أنا، فقد كبر ولدي، وعلمته قيمة الأرض الخضراء، وآن لي أن أرحل، لا لأهرب، بل لأغرس فأسي في أرضٍ عربية، فأنا تربيّت أنني من أرض عروبتي، وهي مني...
لكنهم قالوا لي:
لا بد أن تستخرج جواز سفر!
فقلت:
أنا أحمل هويتي معي... عربية!
ولساني شاهدٌ عليّ، بنطقي العربية. فلِمَ الجواز؟
قالوا: لتأخذ التأشيرة وتدخل بالمرور.
فقلت:
وهل أنا خطر على أرضي؟
وهل أخي في الأرض المقابلة عدوّي؟
أنا منه، وهو مني.
فلماذا أحتاج إلى تأشيرتكم؟
أنا من عروبتي، وهي مني.
ومضيت...
مضيت إلى الحدود بثوبي القروي، وحذائي المغبر، وبيدي فأس أجدادي، وعلى كتفي حقيبة من تراب الأرض.
وقفت أمام الحاجز الحديدي... أمام جندي يلبس زيه العربي، ويحمل سلاحًا عربيًا، ويحدق في وجهي بعينٍ لا تعرفني.
ناديت بصوتٍ مجروح: افتحوا لي... أنا عربي!
أنا من أرض العرب، من لسان العرب، من قلب العرب.
هذه الأرض أرضي، وهذه الحدود وهم صنعها غربى
افتحوا لي... فأنا من عروبتي، وهي مني!
لكنّ الحواجز لم تتحرك...
والجندي ظل صامتًا...
وصرختي تردد على الأسلاك... ثم تلاشت في الريح.
ثم عدت...
عدت من حيث أتيت، وحيدًا... مكسور الخطى.
لكن لم يمض وقت طويل، حتى وجدت أصواتًا تهتف في الأفق...
كانت صرختي قد عادت، لكن بصوتٍ جماعي، تهتف به حناجر شباب أمتي عند الحدود:
افتحوا... نحن من عروبتنا، وهي منا!
وكانت الصرخات أقوى هذه المرة...
ارتجّت الأسلاك، وتزلزلت الحواجز، واهتز قلب الجندي خلف المتاريس.
كان صوت الجموع ينساب كالماء... يشق قلبه، وتملأ عيونه خشوعًا.
ثم إذا به، في لحظة صدق، يخلع خوذته، ويرفع رأسه، ويصرخ معهم:
أنا من عروبتي... وهي مني!
وخطا إلى الأمام...
أزال الأسلاك، وأسند البندقية، وأخذ فأسي من يدي، وغرسه في أرض جديدة...
أرض بلا حواجز... بلا جوازات... بلا صعاب.
ورفرفت راية عربية فوق السهول.
وغنيتُ... وأنا أزرعها بيدي:
أنا من عروبتي... وهي مني!
تعليقات
إرسال تعليق