المسافة دقيقتين بين غزة و القمر

لكل قصة مغزى بين السطور 

في قلب غز//ة، حيث يتناثرحطام البيوت كحبات رمل على شاطئ البحر، وحيث تصمد أحلام الصغار في وجه عواصف الواقع، عاشت فتاة صغيرة تدعى سناء. كانت سناء، بعينيها الواسعتين اللتين تحملان لون البحر وقت الشفق، ونظراتها التي تتوهج بفضول لا ينضب، تجسيدًا حيًا للأمل. لم تكن سناء كباقي الأطفال؛ فبينما يركض أقرانها خلف كرات الدم في الأزقة الضيقة من الركام، كانت هي تجد سلوتها في النظر إلى السماء كلما حل المساء.


كان القمر رفيقها السري. تراقبه سناء من نافذة غرفتها المهشمة  التي تطل على أسطح المنازل المتراصة بألم، وتتخيل أنه أقرب إليها من أي شيء آخر. كان القمر بالنسبة لها ليس مجرد جرم سماوي بعيد، بل كان بوابة إلى عالم آخر، عالم من الهدوء والسلام، عالم لا يسمع فيه سوى همس النجوم وأغاني الفضاء. كانت تسأل جدتها فريال، التي تجاوزت الثمانين من عمرها وحملت حكايات الأجداد في كل تجعيدة من وجهها: "يا جدتي، كم تبعد المسافة بين غزة والقمر؟".


ابتسمت الجدة فريال، وفي عينيها بريق حكمة عميقة، وقالت: "المسافة يا صغيرتي ليست بالميل والكيلومتر، بل بالقلب والإيمان. هناك أسطورة قديمة تقول إن بين غزة والقمر مسافة دقيقتين فقط... نعم، دقيقتين لا أكثر". نظرت سناء بذهول، "دقيقتين؟ كيف يا جدتي؟" أجابت الجدة: "عندما يصبح قلبك صافيًا كالسماء، وعقلك حرًا كطائر، وحين تتشابك أمنياتك الصادقة مع نور القمر، حينها تصبح المسافة أقصر من أن تُقاس بالزمن المعتاد. هي دقيقتان فقط لتتصل روحك به".


تعلقت كلمات الجدة بذهن سناء كالنجمة الساطعة في ليلة مظلمة. بدأت سناء تنظر إلى القمر بعينين جديدتين. لم يعد مجرد قرص فضي في السماء، بل أصبح هدفًا، وعدًا سريًا بينها وبين الكون. في كل ليلة، كانت ليلى تصعد إلى سطح منزلهم الصغير، وتتمدد على حصيرة بالية، تحدق في القمر. كانت تتخيل نفسها تتسلق خيوط النور الفضية، تخترق الغيوم، وتتجاوز النجوم، وكل ذلك في دقيقتين فقط.


لم تكن حياة سناء سهلة. كانت أصوات الواقع الخشنة و أصوات القنابل تتسلل إلى أحلامها بين الحين والآخر؛ صوت الرياح الباردة وهي تصفّر من بين شقوق النوافذ، وأصوات الحكايات الحزينة التي تتناقلها الجارات، لكن سناء كانت تتمسك بخيط الأمل الذي نسجته لها جدتها. كانت ترسم القمر في كراسها الممزق، وتكتب قصصًا خيالية عن مخلوقات تعيش على سطح القمر، وترقص على أنغام صمت الفضاء. كانت هذه الأفعال الصغيرة بمثابة طقوسها اليومية لبناء جسرها الخفي إلى القمر.


في إحدى الليالي، كانت غز//ة غارقة في صمت ثقيل، صمت يسبقه هدوء عاصف. كانت النجوم خافتة، والقمر يختبئ خلف غيوم كثيفة، وكأن الكون كله يحبس أنفاسه. شعرت سناء بضيق شديد. كانت تشعر بأن المسافة بينها وبين القمر لم تكن دقيقتين، بل سنوات ضوئية. كانت بحاجة ماسة إلى ذلك الاتصال، إلى تلك الدقيقتين اللتين وعدتها بهما جدتها فريال.


صعدت سناء إلى السطح، ووجدت جدتها فريال تجلس في زاوية، ملفوفة بشال صوفي قديم، تنظر إلى السماء الملبدة بالغيوم. اقتربت سناء وجلست بجانبها، وقالت بصوت مرتعش: "الغيوم تحجب القمر يا جدتي. كيف يمكنني أن أصل إليه الآن؟" تنهدت الجدة فريال وقالت: "القمر ليس بالضرورة أن يُرى بالعينين يا صغيرتي. أحيانًا، يكون أقرب إلينا حين لا نراه، حين نشعر به في دواخلنا. تذكري، دقيقتان فقط".


أغلقت سناء عينيها، وتذكرت كل حكايات جدتها، كل نظراتها إلى القمر، كل رغباتها في السلام والهدوء. بدأت تتخيل. تخيلت غزة، بشوارعها الضيقة، وبحرها الصامد، وناسها الطيبين. ثم تخيلت القمر، كحجر كريم معلق في السواد المخملي للفضاء. وأخذت تتنفس بعمق، وكأنها تملأ رئتيها بهواء الفضاء النقي.


في لحظة واحدة، أو ربما كانت دقيقتين بالضبط، شعرت ليلى بشعور غريب. لم تعد تجلس على السطح في غز//ة. شعرت كأن جسدها أصبح خفيفًا كالهواء، وأنها ترتفع، ترتفع دون عناء. لم يكن هناك صوت، ولا ضوء ساطع، فقط إحساس بالتحليق عبر السكون اللامتناهي. كان الأمر كما لو أن المسافة بينها وبين القمر قد انطوت، وكأن الزمان قد توقف. رأت غزة من فوق، كبقعة ضوء صغيرة تلمع في الظلام، ورأت القمر يقترب منها، ليس بضخامته المعتادة، بل بوهج دافئ ومطمئن. لمست بقلبها سطح القمر الوهمي، وشعرت بالسلام يغمرها، سلام لا مثيل له. كان إحساسًا بالحرية المطلقة، بالتجرد من كل القيود، بالتواصل مع الكون في أنقى صوره. كانت دقيقتين من النعيم، من الصفاء، من الإيمان بأن المستحيل ليس سوى كلمة.


فتحت سناء عينيها ببطء. كانت لا تزال على السطح، بجانب جدتها. كانت الغيوم قد بدأت تتفرق، وبدا جزء صغير من القمر يلوح خلفها، كابتسامة خجولة. لم يكن المكان قد تغير، لكن سناء كانت قد تغيرت. لم يعد شعور الضيق يخنقها. لقد حملت معها شيئًا من نور القمر، شيئًا من سلام الفضاء.


ابتسمت سناء ابتسامة صافية، وقالت للجدة: "لقد شعرت بها يا جدتي. شعرت بها حقًا... المسافة دقيقتين". أومأت الجدة فريال برأسها وهي تبتسم، "لقد أخبرتكِ يا صغيرتي. المسافة ليست بالأرض والفضاء، بل بالروح والقلب. عندما تؤمني بشيء، تصبح كل المسافات مجرد وهم".


منذ تلك الليلة، لم تعد سناء تنظر إلى القمر كهروب من الواقع، بل كشاهد على قوة الإيمان والأمل. كانت تدرك أن الصعوبات قد تحيط

بغز//ة، وأن الظلام قد يخيم أحيانًا، لكن داخل كل إنسان تكمن تلك الدقيقتان السحريتان، تلك اللحظة من الاتصال العميق التي يمكن أن تنقل الروح من قاع اليأس إلى قمة الأمل. صارت شاعرة مبدعة ، تكتب للقمر ليس بصفته قرصًا وحيدًا، بل كرمز لأحلام غز//ة، أحلام تتوهج دائمًا، مهما كانت المسافة، ومهما كانت الظروف. كانت تعلم أن المسافة دقيقتين بين غزة والقمر، وهذا يكفي لإبقاء الأمل مشتعلًا في قلوب من آمنوا .

بقلم المفكر و القاص العربي 

الشاعر والناقد الاردني 

د محمد سليط 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة