محبة الله

 علائم محبة الله

      الحلقة الثانية

        الأنس بالله    

  الأنس بالله قد يثمر الإدلال 

بسم الله الرحمن الرحيم 

اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما 

*إن من أنكر وجود الحب  والشوق أنكر وجود الأنس أيضا ؛ وقد ظهر ثبوت الأنس من بعض الأخبار السابقة ؛ ويدل عليه ما ورد في أخبار داود عليه السلام ((أن الله عز وجل أوحى إليه: ياداود   يا داود أبلغ أهل أرضي أني حبيب لمن أحبني ، وجليس لمن جالسني ومؤنس ، لمن أنس بذكري وصاحب لمن صاحبني ومختار لمن اختارني ومطيع لمن أطاعني ، ما أحبني عبد أعلم ذلك يقينا من قلبه إلا قبلته لنفسي وأحببته حبا لا يتقدمه أحد من خلقي ، من طلبني بالحق وجدني ومن طلب غيري لم يجدني  فارفضوا يا أهل الأرض ما أنتم عليه من غرورها، وهلموا إلى كرامتي ومصاحبتي ومجالستي وأنسوا بذكري أؤنسكم بي، وأسرعوا إلى محبتي أسرع إلى محبتكم، فإني خلقت طينة محبتي أحب إلي من طينة إبراهيم خليلي، وموسي كليمي، وعيسى روحي، ومحمد صفيي،

وخلقت قلوب المشتاقين من نوري ونعمتها بجلالي وجمالي. فما أعظم هذا الجود والكرم بعدما أخطأنا يمُن علينا بكل الخير إذا رجعنا إليه أي تبنا والتزمنا وعزمنا ألا نعود إلى معاصينا فأوحى الله تبارك وتعالى إلى داود: يا داود لو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم ورفقي بهم وشوقي إلى ترك معاصيهم لماتوا شوقاً إليّ وتقطعت أوصالهم من محبتي.

يا داود هذه إرادتي في المدبرين عني فكيف إرادتي في المقبلين عليّ، ياداود أحوج مايكون العبد إليّ إذا استغنى عني، وأرحم ما أكون بعبدي إذا أدبر عني، وأجل ما يكون عندي إذا رجع إليّ. ويقول الله سبحانه وتعالى: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته قبل أن يسألني» رواه أبو نعيم الديلمي «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ أكثر منه وأطيب» رواه ابن شاهين عن أبي هريرة.

 الأنس بالله قد يثمر الادلال

قال أبو حامد الغزالي: ((الأنس إذا دام وغلب استحكم؛ ولم يشوشه قلق الشوق ولم ينغصه خوف البعد  والحجاب؛ فإنه يثمر نوعا من الانبساط في الأقوال والأفعال والمنتجات مع الله سبحانه وتعالى وقد يكون منكرا بحسب الصورة ؛ لما فيه من الجرأة  وقلة  الهيبة ولكنه محتمل ممن أقيم في مقام الأنس ؛ ومن لم يقم في ذلك المقام وتشبه بهم في الفعل والكلام هلك وأشرف على الكفر٠ ومثاله/ في مقام المناجاة مع الله في مناجاة  ((برخ الاسود)) الذي أمر تعالى كليمه موسى عليه السلام أن يسأله ليستسقي لبني إسرائيل بعد أن قحطوا سبع سنين وخرج موسى في سبعين ألفاً ؛ فأوحى الله عز وجل إليه: كيف أستجيب لهم وقد ظلت عليهم ذنوبهم ؟ سرائرهم خبيثة يدعونني على غير يقين ويأمنون مكري ارجع إلى عبد من عبادي يقال له (برخ الاسود) فقل له: يخرج حتى أستجيب له٠

مناجاة برخ الأسود الذي أمر الله تعالى كليمه موسى عليه السلام : أن يسأله ليستسقي لبني إسرائيل .

بعد أن قحطوا سبع سنين وخرج موسى عليه السلام ليستسقي لهم في سبعين ألفا ، فأوحى الله : عز وجل : إليه كيف أستجيب لهم ، وقد أظلمت عليهم ذنوبهم، سرائرهم خبيثة يدعونني على غير يقين ، ويأمنون مكري ، ارجع إلى عبد من عبادي يقال له برخ ؛ فقل له يخرج حتى أستجيب له ، فسأل عنه موسى عليه السلام فلم يعرف فبينما موسى ذات يوم يمشي في طريق إذا بعبد أسود قد استقبله ، بين عينيه تراب من أثر السجود ، في شملة قد عقدها على عنقه ، فعرفه موسى عليه السلام : بنور الله : عز وجل : فسلم عليه وقال : له ما اسمك ؟ فقال : اسمي برخ . قال : فأنت طلبتنا منذ حين اخرج ، فاستسق لنا .

فخرج فقال في كلامه : ما هذا من فعالك ، ولا هذا من حلمك ، وما الذي بدا لك ؟ ؟ أنقصت عليك عيونك ؟ أم عاندت الرياح عن طاعتك ؟ أم نفد ما عندك ؟ أم اشتد غضبك على المذنبين ؟ ألست كنت غفارا قبل خلق الخطائين ؟ خلقت الرحمة وأمرت بالعطف ، أم ترينا أنك ممتنع ؟ أم تخشى الفوت فتعجل بالعقوبة ؟ قال فما برح حتى أخضلت بنو إسرائيل بالقطر ، وأنبت الله تعالى العشب في نصف يوم حتى بلغ الركب ، قال : فرجع برخ ، فاستقبله موسى : عليه السلام : فقال كيف رأيت حين خاصمت ربي كيف أنصفني فهم موسى : عليه السلام : به فأوحى الله تعالى إليه إن برخا يضحكني كل يوم ثلاث مرات .

*إن أمثال هذه الكلمات الصادرة عن الانبساط والإدلال يحتمل من بعض العباد  دون البعض؛ فمن انبساط الأنس قول موسى : ((﴿وَٱخۡتَارَ مُوسَىٰ قَوۡمَهُۥ سَبۡعِینَ رَجُلࣰا لِّمِیقَـٰتِنَاۖ فَلَمَّاۤ أَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ قَالَ رَبِّ لَوۡ شِئۡتَ أَهۡلَكۡتَهُم مِّن قَبۡلُ وَإِیَّـٰیَۖ أَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَاۤءُ مِنَّاۤۖ إِنۡ هِیَ إِلَّا فِتۡنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاۤءُ وَتَهۡدِی مَن تَشَاۤءُۖ أَنتَ وَلِیُّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَاۖ وَأَنتَ خَیۡرُ ٱلۡغَـٰفِرِینَ﴾ [الأعراف ١٥٥] وقوله  في التعلل والاعتبار لما قيل له((﴿ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ﴾ [طه ٢٤] 

((﴿وَلَهُمۡ عَلَیَّ ذَنۢبࣱ فَأَخَافُ أَن یَقۡتُلُونِ﴾ [الشعراء ١٤] وقوله (( ﴿وَیَضِیقُ صَدۡرِی وَلَا یَنطَلِقُ لِسَانِی فَأَرۡسِلۡ إِلَىٰ هَـٰرُونَ﴾ [الشعراء ١٣] وقوله ((﴿قَالَا رَبَّنَاۤ إِنَّنَا نَخَافُ أَن یَفۡرُطَ عَلَیۡنَاۤ أَوۡ أَن یَطۡغَىٰ﴾ [طه ٤٥]

وهذا من غير موسى سوء الأدب لأن الذي أقيم مقام الأنس يلاطف ويحتمل منه ولايحتمل من غيره ٠ كيف ولم يحتمل من يونس النبي عليه السلام ما دون هذا الحال ؛ أقيم مقام القبض والهيبة ؛ فعوقب بالسجن في بطن الحوت في ظلمات ثلاث فنودي عليه إلى يوم الحشر ؛ لو لا أن تداركته نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم٠ ونهى نبينا صلى الله عليه و على آله وصحبه وسلم فقيل له((﴿فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلۡحُوتِ إِذۡ نَادَىٰ وَهُوَ مَكۡظُومࣱ﴾ [القلم ٤٨]

* وهذه الاختلافات بعضها لاختلاف المقامات والأحوال وبعضها لما سبق في الأزل من التفاضل والتفاوت  في القسمة بين العباد ٠ قال تعالى ((﴿۞ تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَـٰتࣲۚ وَءَاتَیۡنَا عِیسَى ٱبۡنَ مَرۡیَمَ ٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَأَیَّدۡنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ وَلَوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِینَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَاۤءَتۡهُمُ ٱلۡبَیِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخۡتَلَفُوا۟ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ یَفۡعَلُ مَا یُرِیدُ﴾ [البقرة ٢٥٣]

* فالأنبياء والأولياء مختلفون في الصفات والأحوال في الإدلال ؛ ألا ترى  أن عيسى بن مريم كان في مقام الانبساط والإدلال ولإدلاله على نفسه فقال: ((﴿وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَیَّ یَوۡمَ وُلِدتُّ وَیَوۡمَ أَمُوتُ وَیَوۡمَ أُبۡعَثُ حَیࣰّا﴾ [مريم ٣٣]

* وهذا انبساط منه لما شاهد  من اللطف في مقام الأنس٠ وأما يحيى عليه السلام فإنه  أقيم في مقام الهيبة والحياء فلم ينطق حتى سلم عليه خالقه ؛ فقال((﴿وَسَلَـٰمٌ عَلَیۡهِ یَوۡمَ وُلِدَ وَیَوۡمَ یَمُوتُ وَیَوۡمَ یُبۡعَثُ حَیࣰّا﴾ [مريم ١٥]

* اعلم أن من بلغ مقام الأنس غلب على قلبه حب الخلوة والعزلة عن الناس وكما ورد في السنة النبوية المطهرة قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ((من علامة الإفلاس الاستئناس بالناس)) لأن المخالطة  من غير ضرورة  تشغل القلب  عن التوجه إلى الله تعالى وكما ورد في الحديث القدسي ((أنا جليس من ذكرني أنا جليس الذاكرين))

* وقال تعالى أيضا في الحديث القدسي ((السموات والأرض لاتسعني وقلب المؤمن يسعني قلب المؤمن عرش الرحمن))في مقام الأنس بالله تعالى 

* إعداد السيد جعفر طاهر العميدي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة