زمردة
💚زمرُّدة💚
(الحلقة الأولى)
لم تستطِع تحديدَ ماهيَ فيه..أهو حلمٌ يداعبُ دوامةَ رأسِها الصغير ؟أم هو واقعٌ يصفعُها ..يفكّ التصاقَ عينيها الزرقاوَين..اللتين تحوّلتا فجأةً إلى حمراوَين جرّاءَ الدعكَ بكلتا يدَيْها الغضّتَين..
_أمي..أمي..أينَ أنتِ ؟
تهرعُ إليها أختُهافيروز ..تُبعِد يدَيها بشدة عن عينَيها..تضمُّها..
_زمُرُّدة..زمُرُّدة..مابكِ ياصغيرتي ؟
_تتقطع الكلمات إلى أشلاءِ حروفٍ يجمعها إجهاشٌ بالبكاء..أريدُ أمي..أريدُ أمي
_لقد ذهبت أمُّكِ..قاطعتْهاقبلَ أن تكملَ حديثَها
_إلى أينَ ذهبت ؟متى سترجع ؟
أجهشتْ فيروز بالبكاء..ذهبتْ إلى مكانٍ بعيد
_أين هو هذا المكان؟
_لاأحد يعلمه إلاّ الواحد الأحد
_من هو الواحد الأحد ؟قولي له أين ذهبتْ أمي..قولي له متى ستعود ؟
مسحتْ فيروز شلال دمعها واسترسلَت..الواحد الأحد هو الله رب العالمين..نسأله تعالى أن يُسكنها الفردوس الأعلى من الجنة.. سنعود ونلتقي عندما يأذن الله لنا باللقاء.
هدأتْ زمُرُّدة من سماع هذه الكلمات المُبهَمَةِ لديها..لفّتْ جسدَها الصغير بوشاحِ أختِها..أغمضَتْ عينَيها وراحتْ تغطُّ في نومٍ عميق.
أسندَتْ فيروزُ رأسَها على جدارٍ استقبلها بطلاءٍ أبيضَ هشّ أتلفَ وشاحَها العنّابي..مرّ شريطُ حياتِها ،كسحابةٍ مثقَلةٍ بغيثٍ ،تجرُّ روحَها عنوةً عنها..رأتْ نفسَها طفلةً تبكي تبغي دميةً ،كما صديقتِها قمر..تبكي تودُّ أن تكونَ غنيةً كما صديقتها ثريا ،تبكي تريدُ فستاناً كما جارتها شهد ،رأتْ والدَها يضعُ العربةَ على رَقَبةِ حصانٍٍ زمجرَ..رفسه برجله تعبيراً عن سخطه واستيائه..لكنّ أبا مرجان راح يداعبه ويمسح رقبتَه بنعومة..إلى أن هدأَ قليلاً..ملأ العربةَ بصناديقَ البندورة بمساعدة ياقوت ومرجان اللذان يساعدانه فقط في أيام العطل ..وحالما انتهوا ،تناولوا بضعَ لقيمات يسندنَ صلبَهم ..ومضوا يبيعون في القرى المجاورة ليأتوا عند المساء بالنقود ،وبقايا البندورة التي تحولها أم مرجان إلى هريسٍ تجففه تحت أشعة الشمس ثم تخزّنه للشتاء.. ترى والدَتها بوجهها القمريّ وتأتأتِها المحبوبة تكنسُ وتنظف وتطبخ ،تعتني بالدجاج والبط والإوز والحمام ،تخبز خبزاً تفوح منه رائحةٌ تخترق القلب رغمَ أنفِه ،تُلحِقُ به على الفور صينيّةً من البطاطا والبصل والبهارات،تُبهِر بصرَ فيروز وتُسيلُ لعابَها ،تلحق بأمِّها:أمي أنا جائعة ولستُ جائعة ،تطلق الأم ضحكةً مدوية:_ماذا تقصدين بذلك ياصعيرتي ؟أهيَ أحجية ؟
_أمي أنا لست جائعة لكنَّ رائحةَ الطعام تغريني وتزرع الجوعَ في معدتي زرعاً.
تتابع الأم ضحكها وهي تقدم صحناً من البطاطا الخجولة ذات الوجهِ الأحمر..والرغيف الأشقر المنتفخ المغرور على طبقٍ منافقٍ متلونٍ بألوانٍ عدة...
تتناول فيروز طعامها بنهَم..تعيد الطبق بعد أن قضت على كل مافيه.
يرجع الأب وأبناؤه مساءً محملين بأكياسٍ من الحلوى بأنواعها.
تلتم العائلةُ تحتَ داليةِ العنب وأنوار القناديل ، يتناولون الطعام الشهي ،يُتبعونه بالشاي والموالح ، وبعدذلك الحلوى ، ثم يذهب الأولاد للدراسة فالنوم ،مرجان في الصف الثامن وياقوت في الصف السادس ،وفيروز في الصف الرابع.
تبُعد فيروز رأسها عن الحائط ،تحملُ زمُرُّدة ببطءٍ شديد إلى فراشها ،تدثِّرها ،تلقي بجسدها المنهَك قربها ،تتابعُ شريطَ أفكارها.
ترى الآن القابلةَ أم خليل تهرع إليها طالبةً منها طنجرةً من الماء الساخن ،تخرج بعدها مبشرةً أباها بقدوم طفلةٍ حباها الله بفيضٍ من الجمال ،فرح أبو مرجان وراح يوزع الحلوى على الأهل والأصدقاء والجيران ،ثم حمل الطفلة وأذّن في كلتا اذنَيها.
دخلت فيروز غرفةَ أمِّها ،قبلت يديها ،استئذنتها بحمل أختها ،ففرحتُها بقدومها تكاد تعانق عبابَ السماء.
حملتها ،طبعتْ قبلةً دافئةً على وجهها الوردي ،خرجت بعدها تستقبل نساءَ الحي ،تساعد أم خليل في إعداد الشراب الخاص بهكذا مناسبة،إذْ لاعمة ولاخالة ولاجدة ، رحَلْنَ جميعهنَّ ،مابقي من الأقاربِ إلاّ عمّ وحيد ،بَيدَ أنَّ زوجته لئيمةٌ ،أبعدته عن أخيه وعائلته رغم سَكَنِهم بجوارهم.
توافدتِ النسوة للتهتئةِ زمراً زمراً ،وفيروز لاتهدأ ولاترتاح إلاّ لساعاتٍ قليلة ،تقدم الضيافات وتقوم ببعضِ أعمالِ أمها ،يداعبنها النسوة ويضفين على الجو ستائر الفرح والسعادة والمرح ،يقلْنَ:سبحان الخالق أنتِ وأختك كحبّة فول قُسِمَت نصفان تشبهان أمكما ،أما ياقوت ومرجان فهما سمراوان كأبيكِ.
تنظر قيروز إلى سقفِ الغرفةِ ،تشيح بعد ذلك نظَرَها عنه لتتأمل الملاك النائم ،وتتابعُ شريطَ الأفكار...!!!
بقلمي:صباح أبو السل
تعليقات
إرسال تعليق